سيرة ذاتيّة لِلحُمَّى

 

أرِيكَةُ صفراءُ، وملاءة مُبللة، وقِنديل بِلا فتيل،

وَبِضع ذِكرى مِن أزِقَّة طُفُولتِي،

تَطفُو وتلتوي أمَامِي مِثْلُ خُيوط دُخَانٍ:

سَرَابًا مِن ذِكرَى أو حُلْمٌ،

فلا أَدري، أَأَنَا مَن يُصَوِّرُ الْحُلْمُ؟

أَم أَنَّ الْحُلْمَ يُصَوِّرُني؟

 

تُطَالِعُنِي الْفَوْضَى مِن كُلِّ صَوبٍ،

أَنِّيٌّ أَشِعر مَرَّاتٍ بِأَنَّ كُتُبَي وَدَفَاتِرَي

تسخر منِّيٌّ،

الجميع حَولِيٌّ، يَضحَك.

لِقَد أعتزلت كُلَّ شَيء، لِأَكتُبُ،

ومازالت كِتَاباتي، بِدائِيَّة.

قرَائتي، أُمية.

وقرارتُي، عَاطِفِيَّةَ طفولية.

لَم أَتَعَلَّم بَعدَ—

وَكُلَّ يَومِ يُدنِينِي مِن تَارِيخٍ

جُنُونيٌّ.

 

عَبَثًا أَحَاوَلَ الثباتُ وَالطَّنِينُ يَتَعَاظَمُ فِي رَأسِيٍّ،

وَيُدْهِشُنِي أحيانًا أَنَّ مَا كُنتُ أَمسَكَهُ بِيَدِيٍّ

لَم يَسقُط مُنذُ زَمَنِ طَوِيلِ.

رئتاي جَاحِظَتَانِِ، وَتَعتَلِي صَدرِيٌّ

نَوبَاتِ الهلوسة،

أَوَرِثَتِ الهلع مِن جدِّيٍّ؟

 

يَضطَرِبُ المَوجُ، بِت لَا أَسْمَعُ الآن

غَير ضَجِيجِ إعتلاجه.

يَتَسَاقَطُ اليقينُ منِّي..

مِن بين خرز مسبحتي المُتناثر حَوليٌّ،

لِقَدَّ فَكَّكَت خُيُوطُهَا بِنَفسِيِّ — أَو لَعَلَّ الخَرَزَ لَم يَحتَمِل

ثقَّل شُكُوكِيٌّ.

أَنَّ جَمِيعَ الأَشيَاءِ تتخَلَّى عَنِيٌّ،

إِلَّا  هَذَا المد والجزر—

أهذا الزَّبَد فِي فَمِيٍّ.. اِحْتِضَارٌ؟

أَم أَنَّ بِدَاخِلِيِّ تكوينِ بَحْرٍ؟

 

يَخنُقُنِي صَوتيٌّ،

وَبِالرَّغمِ مِنَ الزَّعيقِ،

لَا جِبال عَالِيَةُ حَولِيٍّ

لِتَّرد لِي الصَّدَى.

جل مَا أَرَاهُ،

قِبس مِن ظَلَّ خيالٌ.

أَلِي مَن بعد العَمَى.. تبصُّرَة؟

أَثباتٌ، هُنَاكَ، مِن بعد البعثرة؟

قَد ضَلَّ صَوتِيُّ طَرِيقِهِ،

مِن بَعد مَا مَزَّقَ الموجُ..

أحبَّالُ الحَنجَرَةِ—

 

لِعُلِيَ لَم أَتَوَاجُدَ يَومًا،

لِعَلِيٍّ لَم أَحَيًّا—

أَنَمَا كُنتُ أَسَعَى فِي فَرَاغٍ مُطلقٍ.

 

بِضع ذِكرَى من أزِقَّة طُفُولَتِي،

وَبِضعَ رِجَالٍ،

وامرأَةَ—

أَكَادَ أَنسَى أَينِيُّ مَن فَرطِ الشُّرُودِ،

سَرَابَ يعلُو وَيَنخَفِضُ،

فَالموج؛ يذهب.. لِيَعُودُ،

وَيَنخَفِضُ.. لِيَعلُو،

ضَحلَةً هِي رُوحِيٌّ،

كثيرةً هَوَاجِسَهَا.

 

إلَهِيٌّ..

قَد حَاوَلَت أَنَّ أَلَا اغْتَرِبُ — وَأَن أَختَلِطَ بَين الحُشُودِ،

فَاِتَّضَحَت لِي كُلُّ الْوُجُوه، وغاب فِي الأفق البعيد — وَجِهِيٌّ.

لِمَاذَا يُشبه الحُضُورُ مَعَالِمَ الغِيَابِ؟

وَلِمَاذَا يَنكَسِرُ ظِلِّيٌّ فِي كُلِّ مَرَّةً أَسَتُقِيمُ فِيهَا بَينَ الجموع؟

إلَهَي…

لِمَاذَا يُرهقني الوصُول؟

 

هاهو صوت عِباب الطُّوفَانَ

يُحَطِّمُ سَقفِيٌّ،

يُزِيلُ هَذِهِ الجَاذِبِيَّةِ اللَّعِينَةِ مِن أَرضِيٍّ،

أَسُقُوطَ هَذَا؟

أَم نَوبَةُ أخُْرَى مِن صَنعِ وَهَمِّيٍّ؟

 

أَقَبضٌ عَلَى رَأسِيٍّ بِكِلتَا يَدَاي

حَتَّى لَا تَتَهَاوَى جُدران عقلي الرفيعة،

وَكَأَنَّ الأشياء قَد أقتُلعت مِن قوامها،

لِعُلِيَ لَم أَتَوَاجُدَ يَومًا،

لِعُلِيَ لَم أَتَوَاجُدَ يَومًا،

أَنَمَا كُنتُ أَسَعَى فِي فَرَاغ مُطلق.

أَبَحَثَ بَين دَهَاليزِ الخواء،

عَن معنى..

عن رقصة..

تُعِيدُ لِرُوحِي حُبِّ الغِنَاءِ.

 

شَيِّئَا فَشَيئًا، اتهاوى، فِي سُقُوطِ مُندَفِعِ،

وَأُتَمتِمُ، خُلْسَةً، أَجَزَاءَ شِعرٍ لَا أَقوَى عَلَى نُطقِهِ،

وَأُسَافِرُ عبر شِقِّ السَّمَاءِ — وَأَقُولُ لِلنَّجْمِ:

سأنصاعُ لإتساع اِلْزَمِنَّ، وسأحذُو مسار القمر—

فقط — دَعِنَّي أعيش العُمر حَلِمَ بَعْدَ حُلْمِ؛

وَأَمسح عَنِيَّ فُتَاتِ الواقع،

وَأَزِح مِنْ صَدري ثِقلِ الفراغ الجاثم.

أُرِيدُ أَن أنسى — حُدودَ هَذَا الجسد..

وَأَنَّ أَرَى بِدَايَاتِ التَّكْوينِ..

اجعلني، يَا إلَهِي، أنساب فَوق خَارِطَةِ النُّجُومِ،

وَمَدٌّ مِن جَدَائِلِ شعري طَيَّاتِ السَّمَاءِ،

وَمِنْ دُموعِيِّ — زَخَّاتِ الشُّهُبِ،

فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أنتهي—

كاملة.

 

سَأَتَعَثَّرُ — حَتَّى فِي الْحُلْمِ،

وسيتداعى تَكوينِي تحت عُبَابِ البحر،

وَسَأُعَبر بين ثَنَايَا شُرُوخِ الْحُلْمِ…

عُلنِي أَلِمُحِّ طَيفًا..

أَو شَبَحَا يؤمي لِي،

وَيدلنِي عَلَى طَرِيقِ جَديدٍ، أَو عَلَى مجرى نَهر.

 

يكادُ لَا يُغَادِرُني مشهد تحرك الرِّيَاحِ،

وَتَشَابُكَ الأغصان، وعمق جُذُورِ الأَشجَارِ،

وَشُرُوقَ الشَّمْسِ، وَوِلَاَدَةَ الأطفال،

وتحاعيد يد جِدَّتِي، وَجَدَائِلَهَا المصبوغة بالحِنَّاءِ،

أَنَّ كُلَّ شَىءٍ يتعاقب؛

ذروات تليها ذروات،

موج بعد مَوجٍ،

كُلَّهَا تعبرنّي..

تتجاوزني..

أَأَجِدُ نَفسِيَّ فِي وَسَطِ التَّيَّارِ؟

أَأَصطَدِمُ بِصَخرةٍ تُوقِظُنِي؟

 

حِينَ يبدء الْحُلْمَ بالتلاشي،

سَأَغرِسُ آثار يَدَاي عَلَى شُقُوقِ الجدران؛

وَسَأَبتَلِعُ القَمَرَ، وَأَدفِنُ أسنَانِيَّ بَينَ الزَّهرِ،

وَسَأَصنَعُ مِنَ الأَغصَانِ حبل مَشنَقَةٍ!

وَسَأَكتبُ عَلَى رَملِ الشَّوَاطِئِ:

هُنَا، امراءة لفظها البحر.

أريد أَن أتركّ خلفي أَلَّفَ دَليل:

لِتَقتَفي كل النِّسَاءِ مِن بعديٍّ، أثريٌّ.

 

على ملاءة السرِيرِ، مِلح بَحر،

وعلى أطرافِ قدمي، بَقَايَا رمل،

قد خَلَا جَوفِ صدرِيِّ من بعد الغرق.

كُلَّ الوقائعِ تَبْدُو سريالية،

وَمَا آراه يَطفُو.. بعيدًا.. فِي اللامكان،

مَنْ سَيُصَدقُ أني مَا زَالَت أَمَدَ يَدي

مِثل الأعمَى، نَحو ثُقُوبِ جُدْرَانِيِّ

أتلمَّس بَقَايَا حُلْمٍ؟

أنيّ أعيش بِداخِلِ سرمدِيةِ الوحي.

لا ثبات يسعني،

وحتّى لو هويتُ من سريريِّ المُهتَرِئِ،

فلن أَسمع صوت السُّقُوطِ.

Other posts..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *