البُوهيمِي

(١)

،وُلِدَ كبَقيّة الأطفالِ
لم تُشرِقَ الشمسُ مِن مَغربِها حِينَ وُلِدَ ولا اهتَزتِ الجِبَالُ
،خَرجَ لهذه الحياةِ مِن رَحمِ صَحراءٍ قاحِلةٍ
،لا نَباتَ فيها ولا مَاءً
صَحراءً عَشِقَت السَرابَ وشَرِبتِ المَوتَ أقداحًا حتى الإغمَاءِ
،وِلِدَ كَبقيةِ الأطفالِ
ورِثَ جسدًا يَسجنُ روحَه ومَلامِحُ أمَواتٍ
،اخُتيرَ له اسمٌ وهوية،ٌ وكُبِلَ بِبضعِ أغَلالٍ
،غِلًا التفَ حَول رقَبتِه ليَخنِقَهُ
وغِلًا حَولَ يَدَيه يَجتَرهُ أينَما ذَهبَ

وُلِدَ كبقية الأطفَالِ
رَتَلوا في أذُنهِ اليُمنَى الأذَانَ
،وصَبوا فَوقَهُ المَاءَ ليَتوبَ
رَغمَ أنهُ بعدُ لم يُذنِبْ
،وُلِدَ كبَقيّة السُجناءِ
خُدَّرَ وريدُهُ وخُيّطَ فَمَهُ وصُمّتْ أذُنَاهُ
قَتَلهُ الجُبَناءُ
وهو بَعدُ لم يَكُنْ

(٢)
تَكلَتْ أكوامُ بَشرٍ حَولهُ
،رآهم مُقَيدَةٌ أعنَاقَهُم وأقدامَهُم بأغلالٍ مِن حَديدٍ
يُصَلّونَ للخُبزِ والنُورِ الذي لا يُبصِرونَ
،رجالًا ونِساءً تمرُعَليهِم صورُ حَياةٍ لا يَعرِفُونَ
يُصلّونَ ويُرتِلونَ خَوفًا مِن الحُلمِ والسَعيّرِ
،قَتَلوا أنفُسَهُم أحيَاءً
خَوفًا مِنَ المَصيرِ

تَكَتَلوا أقوامًا وأقوامًا
يَأكُلونَ ويُصَلّونَ ويَقتُلونَ ويُنجِبُونَ
ولا بِشيءٍ يَشعُرونَ
تَكَتَلوا أجمَعَ أمَامَهُ، أكداسًا مَحبُوسِينَ

،ارتَطَموا بِهِ ولكِنَهُ ما ارتَجَفَ
انعَزَلَ مِن بَينِهم وبِنَفسهِ التَحَفَ

(٣)

،امتَدّتْ صَحرائَهُ مَدَّ البَحرِ
وتَعالت رِمَالُها حتى فاضَت بِداخِله وتَدَفَقَتْ
،اجتَمعَ بِها الترابُ والسُجناءُ والوَحرُ
بَنوا بِداخِلها للشَمسِ عَرشًا مِن حَديدٍ وحَجَرٍ
،فَلاظَت واحرَقَت كُلَ ما فيها
وحِممًا أوقَدَت

،ارتَطمَت أجنِحَةُ الغُربانِ في سَماءِ السُكوتِ
طُيورًا سُودٌ تَرقِصُ في سَماءِ الهاويةِ
،للجَناحَانِ صوتٌ
كصَوتِ الحُريةِ والمَوتِ

،ارغَموهُ على عِبادةِ العاقِرِ
وأن يَشرَبَ جَفافَهُ الفاتِرَ
،ولم يعرِفوا بأنهُ الغائِبُ العابرُ
العابرُ الذي لا اسمَ لهُ
سَموهُ المَجنونُ، سَموهُ النبيُ
سَموهُ العائِدُ

،لم ينتمي لمَكانٍ واحدٍ، فقد أرادَ أن يَشغٌلَ كُلَ الأماكِنِ
في كُلِ بُقعَةٍ لهُ بَصمَةٌ وحَيزٌ
أرادَ أن يبنيَ مِن عِظامِه مَركبًا، أو سفينةً لتَعومَ بِه حَولَ البِحارِ
،وأن يَكونَ في كَومِ الغُبارِ ذَرَى
قاطِعًا ثِقلَ الوقتِ ومساحةَ المَكانِ
،أرادَ أن تَحترقَ قَدماهُ فوقَ اللظَى
ليتَحولَ رَمادًا وشَظى
،تَقودهُ الريحُ وتُبعثِرهُ
تَنشُرهُ
حتى لا يَبقى فيهِ بَقايا

ما لَهُم يُرغِموهُ؟ ما لَهُم يُهذِبُوهُ؟
هو الغائِبُ العابِرُ، صَرخَ صَدرهُ وارتَحلَ

(٤)

ابتَعَدَتْ قَدماهُ
،وامتَدَت الرمالُ نَحوهُ
رمالٌ سَجينةٌ مِثلهُ
رمالٌ عَزلت نَفسَها بِالصَخرِ

،حَامَ حَولها يَومًا كَبقيةِ العابِرينَ
طَافَ وانتَظرَ
،لم يَسرقْ مِنها سِترَها كَبقيةِ السائرِينَ
،طَافَ حَولها حتى احتَضرَ
،فرَكَضَتْ لهُ وكَسرتِ الصَخرَ
،غطَتْ جَسدهُ بِظِلها خَوفًا
وتَوسَدَ سَوادُ شَعرِها
احتَواها مِن بَعيدٍ وشَربَ مِن طَرفِ نَهرِها
ما كانَ كَبقيةِ العابِرينَ
،رأتهُ وسَمِعتهُ وارتَوتهُ لثَلاثِين

ثَلاثونَ يَومًا صَبَ عليها مَطَرًا حتى امتَلئَ رأسُها وغَرِقَ
،صَنعَ بِداخِلها بُيوتًا مِن طِينٍ
وضعَ بِها ذكرَياتهُ وأحادِيثهُ وانبَتَ مِنها أشجارَ تينِ
،غَزَاها أرضًا بالصَخرِ عارِمةَ، وتَركَها مُستَعمَرةً مُسورَةً
مُستَعمَرةً سَماهَا قَلبُها

دَقتِ الريحُ بابهُ كَي يَهُبَ مَعها فاستَعدَ
كلما ابتَعدَ، ارتَضَت
كيفَ تَرحلُ بَعدَ الذي كانَ؟
قَالَ، إنَ الوقتَ قد حانَ
عَبرَ وزلزَلَ أرضًا ثابِتة واحرقَ المكانَ

،خَلعتِ الريحُ البابَ
فبدأ يَجمعُ على عَجَلٍ أشيائهُ المُبعثَرةَ
،سَرقَ رَملًا مِن تُرابِها
وانتَشَلَ جُذورهُ مِن أرضِها
اقتَلعَ رَحيلهُ جَذرًا تُلو الآخرِ مِن صَدرِها

،مَشَى واندَثرَ
راحَ بِلا أثَر

(٥)

في نِصفِ العالمِ الآخر، صَنعَ لهُ بَيتًا مِن جُدرانِ الخَشبِ
لا يدخُلهُ إلا نورُ الشمسِ وظلامُ القَمَرِ
،بيتًا ظَنَهُ المارَةُ قبرًا
بهِ اعتَكفَ أيامًا ودهرًا
،نَحتَ على جُدرانهِ خُطى قَدميهِ على خَريطةِ العالمِ
،ووضَعَ بِه صورَ بشرٍ يتَحدثونَ وكُتُبًا مُهمَلةً
وضَعَ مَلابسًا مَرثيةً وأغصانَ شَجَر

،وصلَ إليهِ بَعدَما هَرَب
خافَ وارتَهَب
،أوصَدَ البابَ بِمئاتِ الأقفالِ
خافَ أن يُغتالَ
دَخلَ
،فتنفَسَ هَوائهُ بَعدَ الاختِناقِ
بكَى خَوفًا
،فامتَدَت لأغصَانِ الشَجرِ أوراقٌ
،ضَمتهُ وبها التَحفَ
بَكى حتى ارتَجفَ
،ما أنا، سألَ نفسَهُ
كَومُ رَملٍ أم أوراقُ شَجَر؟

افرَغَ أشيائهُ حولَ بيتهِ
،القى بِملابِسهِ فَوقَ العواصمِ والمُدن
،ورَمَى بِجَسدهِ على أرضِهِ
،فانتَثَرَ بِضعُ رَملٍ مِن جَيبهِ
جَمعَ الرَملَ في يَدَيّهِ
تِلكَ التي تُشبِهَهُ وسَرَقَها
،وضَعَها في أعَالي مَكتَبَتِهُ
أوقدَ لها شَمعةً ورَتَلَ لها أغنياتً
استمرَ مَعَها كالبِداياتِ

،استيقظَ يومًا وارتَحلَ
رجِعَ مَغسولًا بِالوَحلِ
ابتَدأتِ النِهاياتُ وانصَهرَ كَومُ الرَملِ نِسيانًا
،وُجِدَت هي في أعالي مَكتَبَتهُ
،بينَ قِطعِ الأثاثِ، بينَ الستائرِ، وبينَ زوايا غُرفتِه
مَوجودةٌ هي وغيرُ مَوجودةٍ

(٦)

،حينَ استيقَظَ بينَ جُدرانٍ صامِتَةٍ
أبَىَ العودَةَ للمَمَاتِ
رأى حَولهُ صُورًا قديمةً وسجادةً حَمراءَ عَتيقةً، وبِضّعُ وجوهٍ
،كانَ هُناكَ، ولم يَكن بَعدُ هناكَ
تواجدَ كالجَنينِ، ما اكتَمَلتْ عِظامهُ على الشَجر
،ولم يَنَم على صَدرِ أرضٍ
لم يَصرُخَ رَعدًا أو يَصُبَ مِن عُروقهِ مَطرًا ليَسقي نباتًا
حينَ أستيقَظَ
كانَ بعدُ في سُباتٍ

،بينَ جُدرانهِ الصامِتهَ ظّنَ بأنهُ سَمعِ نِداءً
نادتهُ الرِمالُ التي سَرقَها
،لتُوقِفَ من أجلهِ الشمسَ بِضعَ لحظاتٍ لتمنَحهُ لحظةً أخيرةً
ليرى فيها الفجرَ ينتَظرهُ بينَ ستائرِ البَيَاضِ
أسمعتَ النِداءَ؟
أصَرختَ بصدرِكَ أصواتكَ التي أصمتَها دَهرًا؟
،سَجينٌ هو
،وبداخِلهِ يَقينٌ
أنهُ لا يَقوىَ احتضانَ الفَجرِ

كَسَرتِ الأصواتُ قَفصَ صدرهِ
ارتَحِلْ
ارتَحِلْ
ارتَحِلْ

التَفَ على كَومِ الرِمالِ
ودّعَها
وأعطاها ظِلهُ

ربَطَ أمتِعَتهُ وخَرجَ
فَتحَ البابَ وخَرجَ

(٧)

،قبلَ أن يَخرجَ، لم يَكُن هناكَ طَريقُ
لا ثَلجًا، لا ماءً ولا حتى رَصيفٌ

،قبل أن يَخرُجَ
،ما تَكورتِ الأرضُ ولا انبثَقتِ السماءُ
ولم تُضِئ النُجومُ عَتمةَ الليلِ وما بَدأ الكونُ بعدُ

،قبلَ أن يَخرجَ لم يكُن هو، هو بَعدُ
ولم تَزل تلكَ الأغلالُ تَربطهُ لحمًا ومهدًا

ما أخرَجَكَ؟
ما أيقَظَكَ؟
،صَرَخَت به أصواتًا وصَدَمتهُ يَمينًا ويَسارًا
وارجَعْ بينَ جُدرانِ الصمتِ، قَالتْ
!ارجَعْ نَحو السُباتِ
،لكِنَهُ أبَى المَمَاتَ
وخَرجَ

(٨)

،انشَقتِ الأرضُ وانشقَ طَريقَهُ
،انشَقت أرضًا غَطاها بَياضٌ
ورياحًا وغُبارًا وثَعالبًا
أرضًا بِها دُخانٌ وكَومةُ أَنقَاضٍ
،انتَشلَ نَفسهُ من عُروقهِ، عُروقِ النَخلِ
عَلَهُ يُنبتُ يومًا من ضِلعَيهِ شَجرُ طُوبَى
أصبَحَ الغَريبَ المُغتَرِبَ
،اخذَ معهُ غِلهُ وبِضعةَ أشياءٍ
ما تعلمَ فَكَ قِيدهِ بَعدُ وإن شاءَ

،كُلُ الطَريقِ بَياضٌ
لا خَارطةً ولا نُورًا في نِهايةِ المَمرِ يُضيئانِ لهُ الطَريقَ
،داسَتْ قَدماهُ على الثَلجِ
وتَغلغَلت فيهُما حتى وصَلت ساقَاهُ
،إذ ذابَتِ الثُلوجُ عندَ شُروقِ الشمسِ، ذابَ مَعَها
وإذ صارَ الليلُ، تَحولَ لقِطعَة جَليدٍ
،صارَ هو والثَلجُ واحدٌ
هي من تَقتِلهُ بردًا وهي مَن تُغطي جَرحهُ إذا امتَدَ بالصَديدِ

،رَمتهُ الرياحُ، دَفعتهُ للخلفِ
ارجَعتهُ مِرارًا ومِرارًا
،عَرفَ أن ما بِوسعِه قَتلُها
،فارتَمَى إليها وتَراقَصَ مَعها
دَارَ حَولَ نَفسِهِ، فَاتحًا يَديهِ
اقتَلعَتِ الرِياحُ بَدَنهُ
،مَزقَت جِلدهُ
أحسَ بِثقلهِ يَذهبُ
نزَعتِ الرّيحُ سَوادهُ، حتى باتَ أبيَضًا أصهبًا
دارَ مع هذا الكَونِ، كالرياحِ
،فَكَّ غِلًا مِن يَديهِ وامتَدت لهُ أجنِحةٌ مِن ذِراعيهِ
صارَ هو والرّيحُ واحدٌ

تَجَزأ الرياحَ وأكَلَ الصَقيعُ جَسدهُ
ارتَطمَ بالهواءِ، بالبَحرِ، بالشَجرِ
،انسَكَبَ عليهِ البردُ وانهَمرَ
،سَمعِ صَوتَ تَجمدِ مِياهِ النَهرِ
ورأى طُيورًا مَيّته وأرضًا لمْ يَدُسها بَشرٌ
لكنهُ العَابِرُ، صَرخَ صَدرهُ واستَمَر

(٩)

،أفاقَ
على صَوتٍ امتَدَ من آخِرِ الطَريقِ
،كصَدىً بَعيدٍ يَهتُفُ بلغةٍ لا يَعرِفُها
عَرفَ بأنهُ صَوتُ العاصِفةِ
فتحَ عَيناهُ وتَرامَتِ الثُلوجُ مِن جُفونهِ
لم يرَ إلا سَحبًا بَيضاءًا ساكِنةً لا تتَحركُ
،وطريقً لم يَنتَهي بَعدُ
تَنهدَ الثلجَ مِن صَدرهِ
،لم يَبقَ الكَثيرُ
يَومانِ وينتَهي الطَريقُ
،أنزَلَ رَأسهُ فلم يَجد يَداهُ
،هَربَت قَدَماهُ
خارَتْ قِواهُ
أين بَقيّتِي؟ صَرَخ
عَبثًا، حاولَ جمعَ نَفسِهِ

أفاقَت مَعهُ
بينَ أثاثِ غُرفَتهِ، انتَظَرت
،بَكت اشتِياقًا واندَثَرَت
،عاشَت مع ظِلهِ
،إذا نامَ، نامَتْ مَعَهُ والتَحفَت بهِ
،وإذا ضَحِكَ، تَراقَصت فَرحًا
يأكُلُها الهَلعُ إذا خافَ، وبِرحيلِ جَسدهِ أحَسّت إذ بَرَح
،صارَ ظِلهُ جِزءًا مِنها
،يَحومُ حَولها أينما تَذهَب
ويرتَعِشُ جِلدُها إذ مِنها اقتَرَب
انتَظرتهُ رُغمَ أنهُ رَحَلَ عنها واغتَرب

أفاقَ
،جَسَدَهُ وانتَشرَ
،تبعثَرَت مِنهُ أشلاءٌ
،كلُ جُزءٍ مِن جَسدهِ تَناثَرَ وابتَعَد
كلُ جُزءٍ أرادَ الهَرَب
،قام رُغمَ أنَ كُلَ ما فيه ارتَعَدَ
،جَمعَ باقي ما وجَدهُ مِن أجزاءِ جَسَدهِ
قطَعَ الثَلجَ والرّيحَ والطَريقَ والرّعدَ
،مشى كالجُندِي المَجروحِ
قطَعَ غِلاً تِلو الآخَر كُلما ابتَعدَ
شقَ الطَريقَ وانشَقَ قَلبُها

أفاقَت
عينَاها وبهِ شَعرَت
غَريبٌ بينَ البَياضِ تَعِبَ الطَريقُ
،خَرجَت مِن عُقرِها
،جَمعَت رَملهَا وكَسَت نَفسَها جِلدًا
،زَرَعَ مِنها الخُوفُ عِظامًا
وأحيَاها امرَأة
،وُلِدَت في الفَجرِ
،خَرجَت لهُ
وعنهُ بَحثَت

(١٠)

هي بِمَنفى وهو بِمَنفى
بَينَها وبَينَه ثَلجٌ ونارٌ ومطرٌ، ومَسافةُ سَنَتَانِ
،عَرفَت مَكانهُ ومَنصِبَ خَيمَتهِ، فَقد حَلِمَت بِهذه الرُؤيِا مِن قَبلُ
تَتَبعت خُطى قَدمَيه مِن على الثَلجِ
،وجَدَتهُ
يَمشي مِن بعيدٍ كالجُثةِ بَينَ أسرابِ البَياضِ
بَدَت تَخطو إليهِ
ارتَعشت شَوقًا وخوفًا
،ذاكَ الذي شَتتها، يَزورُها مَرةً ويَرحَلُ ألفًا
،ذاكَ الذي سَدَ النورَ مِن دَربِها سَدًا
فَباتَت لا تَرى غَيرَ ظِلهِ
رأتهُ لأولِ مرةٍ، عابِرًا طَريقهُ
أحَسّت لأولِ مرةٍ، بِثقلهِ
،عَرفَت هِيَ
،أنهُ قد ماتَ مِن قَبلُ هُنا
وهي بهِ قد ماتَت

،كانَ بِداخلِ العاصِفةِ، تَدفعهُ ويدفَعُها
،ارتَجَفَ ولكِنهُ حَولَ الرَجفَ لسَكِيّنةٍ
،لهُدوءٍ
لصَلاةٍ
،كان خاشِعًا
مُطمئنًا، باحِثًا عن مَعنى
،ارتَطمت بِجسدهِ الطُيورُ المَيتَةُ وأحجارُ بَيتِ المَنفَى
مَزقَ عُنقَ العاصِفةِ لما ابتَعدَ
كانتِ الطَبيعةُ أمهُ وهو طِفلُها العاقُ

أيولَدُ مِن عَصفِ الرياحِ؟ تَساءلت
رأتهُ يُقاتِلُ وسطَ الرُكامِ، سالت مِنهُ الدِماءُ وتَقَطرَت
،فانهَمرَت مِنها الدُموعُ وانفَطرَت
مَدّت يَداها على كَتِفيّه ودَفَعتهُ
،أكمِل الطَريقَ، همسَت بِأذُنهِ
،وبالكادِ خَرجَ مِنهُ صَوتٌ
أنا والطَريقُ واحِدٌ
أنا والطَريقُ واحِدٌ
أنا والطَريقُ واحِدٌ

،دَفعَت ظَهرهُ
وأبعدَت عنهُ كَومَ الحَجرِ
،دَفعتهُ حتى أكَلَ جَسدَها الضَجَرُ
ظَلّت تَدفعهُ للنَفسِ الأخيرِ مِن روحِها
،مزَقتِ العاصِفةُ جِلدَها
،حَطَمت عِظامَها
،أرجَعتها لأصلِها
،قَطّعتها
نَثَرتّها رِمالًا

خَرجَ
هو مِن العاصِفةِ
مَدفُوعًا
،التَفتَ ليرى مَن دَفَعهُ
،فلم يَجِد إلا رِمالًا حَولهُ
انتَشرَت

انطَفأت أصواتُ الضَجيجِ
وغَرِقَ الوجودُ بِصمتهِ
،غابَت كلُ الأشياءِ
واعتراها عَدمٌ

،طارَت حَولهُ بَقايا الرِمالِ
انتَشرَ ذَرَى تُرابِها قُربهُ
،اشتاقَت لعِظامِ صَدرهِ
فضمتهُ و كَبِرَت في جَسدهِ
،تكاتَلت هي بِداخلهِ
سُحُبًا مِن تُرابٍ
كَوّنَ النُجومَ والمَجراتِ

انفَجرَ مِنهُ الوجُودُ
وتَمدّدَ الفضاءُ جِلدهُ
امتَدت مِنهُ الأنهارُ والجِبالُ وأسرابُ الحَمامِ
امتَدت مِن عُروقهِ
كالطوفانِ، وسالت مِن جُروحهِ

شَهِدَ ولادةَ الوجودِ مِن جَديدٍ
راحَ الفَجرُ وراحت
أشرقت الشمسُ مِن بينِ أصابعِ يَديهِ
سَمعَ صَوتَ ضَخِ قَلبِهِ
ومَوجَ البَحرِ وصَدى العاصِفةِ التي قَتَل
ماتَت عَبثيةُ الأشياءِ
،تَحرَرَ
،مِن كثافَةِ جَسدهِ
،مِن عبادةِ صَنَمهِ
مِن غَدِهِ ومِن أمسِهِ

،أفاقَ مِن بَعدِ أن صارَ حَيًا
لم يَرى أثَرَ رِمالِها ولم يَسمَع صَدى شِعرِها
،اختَفَت
،ذَهَبَت
،تَبعثَرَت
ومن أجلِه، تَبخّرَت
،عَرفَ حينَها
أنهُ قَد ماتَ
وهي بِه قَد ماتَت

Other posts..

1 Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *